صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
282
تفسير القرآن الكريم
واللذائذ الحسية ، وكمال القوة الغضبية الظفر بالانتقام ، وكمال القوة الحسية إدراك المحسوسات ، وكمال القوة المتخيلة تصوير المتمثلات ، وكمال الواهمة الظنون والرجاء . وللنفس الإنسانية في ذاتها كمال يخصها ، ولها قوتان : إحداهما عاقلة نظرية متوجهة إلى الحق ، والأخرى عاملة محركة للبدن متوجهة إليه ، فكمال النفس بحسب قوتها النظرية بمعرفة حقائق الأشياء وكلياتها والمبادي القصوى في الوجود وبالجملة معرفة الحق الأول بماله من صفات جماله ، ونعوت جلاله ، وكيفية صدور أفعاله عنه ورجوعها إليه ، ومعرفة كونه غاية الأشياء الذي يتوجه إليه الموجودات في بقائها ، كما يبتدي منه في حدوثها ، إلى غير ذلك من المعارف الحقّة التي كانت مستعدة لها أولا عند كونها هيولانية الذات ، ثم يحصل لها بسبب حصول المقدمات صورها على نحو البرهان الدائم اليقيني ، ثم سيصير مشاهدة إياها فائضة من الحق الأول ، ثم يصير متصلة بها ، منخرطة في سلكها ، مستغرقة في شهود مبدئها ومعادها ، بحيث لا يلتفت إلى ذاتها العارفة به تعالى ، فضلا عن غيرها ، بل الاضمحلال في المعروف يذهلها عن كل شيء حتى عن ذاتها وعن عرفانها لمبدئها . فاليقين الأول هو العلم ، والثاني هو العين ، والثالث هو الحق فهذا هو كمال النفس بحسب قوتها النظرية ، ولا شبهة في أنه لا يحصل هذا الكمال إلا بسبق معرفة الحقائق والعلم بالمعقولات ، ولا شبهة في أن كتاب اللّه مشتمل على جلها بل كلها ، ولا شك في أن حصول المعارف والعلوم متوقف على وساطة الرسول ، ووساطته إنما تحصل بإنزال القرآن ، فقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ إشارة إلى ما يستكمل به القوة النظرية . وأما كمال النفس بحسب القوة العملية الذي يكون الميزان إشارة إليه فبيانه : إن النفس لما كانت في أول نشأتها ناقصة ضعيفة القوام بذاتها ، فيحتاج في استكمالها بالكمال الذي قد سبق ذكره إلى مادة بدنية تفيض وتستفيد بواسطة آلاته الجسمانية ومشاعره الإدراكية مبادي إدراكاتها التصورية والتصديقية من